الاستقلال / معتز شاهين:
تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة، وإيران من جهة أخرى، في وقت تحذر فيه تحليلات سياسية من احتمال امتداد التصعيد إلى صراع استنزافي طويل الأمد.
ويشير خبراء إلى أن الضغوط العسكرية الحالية تهدف إلى إضعاف البنية الاستراتيجية الإيرانية، إلا أن التجارب السابقة تؤكد صعوبة تحقيق انهيار شامل عبر ضربات محدودة.
ويرجح المحللون، في أحاديث منفصلة مع صحيفة "الاستقلال" أمس الأحد، أن تستمر المواجهة ضمن قواعد اشتباك محسوبة،، في حين يبرز النقاش حول قدرة ايران على الحفاظ على تماسكها الداخلي واستمرارية قياداتها للمعركة بشكل منظم، ما يجعل أي محاولة لإحداث تغيير جذري أمراً صعب التحقيق.
ومنذ صباح السبت، تشن "إسرائيل" والولايات المتحدة هجوماً عسكرياً مشتركاً على إيران، مما أدى إلى سقوط مئات الشهداء بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، إضافة إلى أربعة من كبار القادة العسكريين وهم: رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة اللواء عبد الرحيم موسوي، ووزير الدفاع العميد عزيز نصير زاده، والقائد العام للحرس الثوري اللواء محمد باكبور، ومستشار المرشد وأمين عام مجلس الدفاع علي شمخاني، إضافة إلى عدد من أفراد الحرس الثوري.
وتعهد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، الأحد، بالعمل للثأر والانتقام من المحرضين ومنفذي اغتيال المرشد الإيراني، مؤكداً عزمه على "مواصلة طريق خامنئي". كما هدد أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني، الأحد، باستهداف الولايات المتحدة وإسرائيل "بقوة لم يسبق اختبارها من قبل".
وبعد اغتيال خامنئي، ردت طهران بإطلاق موجة صاروخية واسعة استهدفت قواعد أمريكية في منطقة الخليج ومدن العمق الاسرائيلي . وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بمقتل 9 إسرائيليين وإصابة 36، بينهم حالات حرجة، الأحد، جراء هجوم إيراني كبير على مستوطنة بيت شيمش غرب القدس المحتلة.
ضربات غير واقعية
واعتبرت الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة أن التصعيد الإسرائيلي–الأميركي ضد إيران يأتي في إطار استهداف واضح لمحور المقاومة في المنطقة، ومحاولة لإعادة رسم موازين القوى بما يخدم المصالح الإسرائيلية والأميركية.
وترى عودة، في حديثها مع "الاستقلال"، أن الهدف الحقيقي من هذا التصعيد لا يقتصر على الملف النووي أو برنامج الصواريخ، بل يتعداه إلى محاولة إضعاف البنية الاستراتيجية الإيرانية، وفي مقدمتها الحرس الثوري الإيراني، باعتباره أحد أبرز أركان معادلة الردع الإقليمي.
وأكدت أن أي رهانات على إسقاط ايران عبر ضربات جوية إسرائيلية تبقى غير واقعية، مشيرة إلى أن التجارب السابقة أثبتت أن الضغوط العسكرية غالباً ما تؤدي إلى تعزيز التماسك الداخلي بدلاً من تفكيكه. وأضافت أن إيران تمتلك منظومة مؤسساتية وعسكرية متجذرة تجعل من الصعب إحداث انهيار شامل بمجرد عمليات استهداف محدودة.
وترجح عودة أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو دخول "إسرائيل" والولايات المتحدة وإيران في مرحلة استنزاف متبادل، ضمن قواعد اشتباك محسوبة، قد تمتد إلى نهاية العام الجاري، مع احتمال تخللها هدنات تكتيكية. غير أنها ترى أن هذا النوع من المواجهة لن يكون بلا كلفة على" إسرائيل"، خصوصاً في ظل اتساع رقعة التهديدات الإقليمية، ما يعزز منطق الردع المتبادل ويحدّ من إمكانية الذهاب إلى حرب شاملة.
وفي ما يتعلق بقدرة ايران على تجاوز أي استهداف لقياداته، تؤكد عودة أن البنية العقائدية والسياسية في إيران قائمة على مبدأ الاستمرارية المؤسسية، وليس على شخص واحد. وتشير إلى أن أي فراغ قيادي سيتم ملؤه سريعاً وفق الآليات الدستورية والتنظيمية المعتمدة، ما يحبط الرهانات على تفكك داخلي.
وفي تفسيرها لتصريحات دونالد ترامب حول إمكانية الحوار مع "قيادة إيرانية جديدة"، ترى عودة أن هذا الطرح يندرج ضمن استراتيجية الضغط النفسي والسياسي، ومحاولة إظهار أن القيادة الإيرانية في حالة اهتزاز. كما اعتبرت أن خطاب "التفاوض تحت النار" يهدف إلى فرض شروط مسبقة عبر القوة، إلا أن التجربة الإيرانية السابقة مع العقوبات والضغوط تُظهر أن طهران تميل إلى التفاوض من موقع الندية، لا من موقع الانكسار.
رد استراتيجي
ويرى الكاتب والمحلل السياسي فايز سويطي أن طبيعة المواجهة الحالية بين "إسرائيل" والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، تشير إلى احتمالين رئيسيين: الأول يتمثل في حرب متصاعدة قد تمتد لأسابيع، وهو سيناريو يعتبره في غير صالح "إسرائيل" وواشنطن، لعدم قدرتهما على تحمّل كلفة حرب طويلة الأمد، خصوصاً مع اتساع نطاق الاستهداف ليطال مواقع وقواعد عسكرية حساسة. أما السيناريو الثاني، فيقوم على إمكانية التوصل إلى وقف إطلاق نار خلال فترة قصيرة إذا ما تزايدت الضغوط الميدانية على دولة الاحتلال ، لا سيما بعد إصابة أهداف استراتيجية داخل العمق الإسرائيلي وخارجه، ما يعكس تحولاً في ميزان الردع.
وفي قراءة أوسع لطبيعة التصعيد، يؤكد سويطي لـ "الاستقلال" أن ما يجري يمثل "عدواناً مباغتاً" جاء في سياق مسار تفاوضي، معتبراً أن واشنطن و(تل أبيب) حاولتا فرض معادلة سياسية بالقوة العسكرية، غير أن الرد الإيراني السريع أعاد رسم حدود الاشتباك ومنع تحقيق أهداف سريعة.
وحول قدرة ايران على إعادة إنتاج تماسكها بعد استشهاد المرشد الأعلى علي خامنئي، شدد سويطي على أن إيران "دولة مؤسسات لا ترتبط بشخص واحد"، مؤكداً أن العقيدة السياسية والعسكرية تقوم على مبدأ الاستمرارية، وأن وجود ترتيبات وخطط خلافة مسبقة يحدّ من تأثير أي استهداف على مستوى القيادة العليا.
وأشار إلى أن التلويح بالحوار في خضم العمليات العسكرية يعكس سعي واشنطن لفتح مخرج تفاوضي يحفظ ماء الوجه بعد تصاعد كلفة المواجهة ميدانياً، مؤكداً في الوقت نفسه تمسك طهران برفض أي مفاوضات تُفرض تحت الضغط.


التعليقات : 0